عبد الرحمن جامي

72

لوائح الحق ولوامع العشق

وتحصيل شهود ما كان * مشهودا محال في قاعدة العقل ( وأيضا منها ) يا من بكى قلبك من الهجر في نوح * إلى متى ستبكى في نوح مثل نوح ؟ من هو سبب هم الهجران في عين الشهود افتح بصيرتك حتى ترى من هو مشهودك معرفة الحق سبحانه وإدراكه على قسمين : الأول إدراكه باعتبار كنه ذاته وتجرده من تعيينات الأسماء والصفات وتلبسه بمظاهر الكائنات ، وهذا ممتنع عن غير الحق سبحانه لأنه من هذا الحيث محتجب بحجاب العزة ومختف برداء الكبرياء ، وليس أدنى نسبة بينه وبين ما سواه ؛ إذن فالشروع في طريق معرفته بهذا الوجه إضاعة بضاعة الوقت وطلب لما لا يمكن الظفر بتحصيله إلا بوجه الإجمال وهو أن يعرف المحقق أن وراء ما تعين أمرا ظهر به كل متعين وهو في حد ذاته مبرأ من التعين ؛ ولذلك قال سبحانه ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ، ) إذن فقد أراد - الحق سبحانه برحمته الكاملة ورأفته الشاملة - راحة عباده فحذرهم من السعي في طلب ما هو ممتنع الحصول . وأتى في الحديث أيضا ( تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله ) ، ويقول الشيخ محيي الدين رضي الله عنه ( التفكر في ذات الله تعالى محال فلم يبق إلا التفكر في الكون ) .